الشيخ محمد رشيد رضا
124
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولما كان من دأب أهل الغفلة والجهل الغرور بالكثرة مطلقا قال تعالى تعقيبا على ما أثبته من تفضيل الطيب على الخبيث وان كثر الخبيث فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي فاتقوا اللّه يا أصحاب العقول الراجحة ولا تغتروا بكثرة المال الخبيث ، ولا بكثرة أهل الباطل والفساد من الخبيثين ، فان تقوى اللّه تعالى هي التي تنظمكم في سلك الطيبين ، فيرجى لكم ان تكونوا من المفلحين ، أي الفائزين بخير الدنيا والآخرة وانما خص أولي الألباب بالذكر في عجز الآية بعد مخاطبة كل مكلف في صدرها لان أهل البصيرة والروية من العقلاء هم الذين يعتبرون بعواقب الأمور التي تدل عليها أوائلها ومقدماتها ، بعد التأمل في حقيقتها وصفاتها ، فلا يصرون على الغرور بكثرة الخبيث ، بعد التنبيه والتذكير . وأما الأغرار الغافلون الذين لم يمرنوا عقولهم على الاستقلال في النظر ، والاعتبار بالتجارب والحكم ، فلا يفيدهم وعظ واعظ ولا تذكير مذكر ، بل لا يعتبرون بما يرون بأعينهم ويسمعون بآذانهم من حوادث الأغنياء الذين ذهبت أموالهم الكثيرة المجموعة من الحرام ، والأمم والدول التي اضمحلت كثرتها العاطلة من فضيلتي العلم والنظام ، وكيف ورث هؤلاء وأولئك من كانوا أقل ما لا ورجالا ، إذ كانوا أفضل أخلاقا وأعمالا ، ( وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) * روي عن السدي ان المراد بالخبيث هنا المشركون وبالطيب المؤمنون . وروي عن أبي هريرة قال : لدرهم حلال أتصدق به أحب إلي من مئة ألف ومئة ألف حرام ، فان شئتم فاقرؤا كتاب اللّه ( قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ) وروى ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن الإسكندراني قال : كتب إلى عمر بن عبد العزيز بعض عماله يذكر ان الخراج قد انكسر ، فكتب اليه عمر : ان اللّه يقول « لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ » فان استطعت أن تكون في العدل والاصلاح والاحسان بمنزلة من كان قبلك في الظلم والفجور والعدوان فافعل . ولا قوة الا باللّه . * * * ( 104 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ